ابن حزم
29
رسائل ابن حزم الأندلسي
علوم حسنة لأنها حسية برهانية ، وأنها نافعة ، ولكن منفعتها كلها دنيوية ، لأنها تفيد في شؤون متعلقة بواقع الإنسان على هذه الأرض وتحقق له مصلحة في الدنيا ، ومن هذا الجانب لا يمكن أن تكون المطلب النهائي للإنسان ، إذ لا تستطيع أن تنافس ما جاءت به النبوة ؛ ذلك أن ما جاءت به النبوة يحقق ثلاثة أشياء هامة تعجز عنها علوم الأوائل ، وهي : ( 1 ) إصلاح الأخلاق النفسية بينما العلوم الهلينية لا تستطيع إلا إصلاح الجسد ؛ ومن الواضح أن إصلاح النفوس ومداواتها أهم من إصلاح الأجساد ومداواتها . ( 2 ) دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة وإيقاف التظالم بينهم ، أي تنظيم أمور المعاش وإحقاق العدالة بين الناس ، وهذا لا تستطيعه العلوم لأنها اجتهاد بشري غير ملزم ولا ينقاد له الناس بالطاعة كما ينقادون لأوامر صادرة من خارج نطاق الاجتهاد الإنساني . ( 3 ) كفالة النجاة للنفس بعد المرحلة الدنيوية . وقد يبدو من هذا العرض أن ابن حزم انتصر للعلوم الدينية دون أن ينكر الدور الهام الذي تقوم به علوم الأوائل ، ولكن التعمق في دراسة الرسالة يدل على أنه استطاع الربط بين الجانبين ربطاً وثيقاتً حين ذهب يثبت ضرورة الاستدلال العقلي البرهاني الذي يعده مدخلاً إلى التدين ( 1 ) ؛ فالمؤمن يستطيع عن طريق التمرس بالفكر المنطقي أن يتوصل إلى البت في أمر العالم : هل هو محدث أو لم يزل ، والطرق للبرهان على حدوثه متعددة منها تناهي العدد ، ومنها ان الزمان ذو مبدأ ، وهذا يعني وجود أول وراء العالم ، وهذا الأول لا يمكن أن يكون ذا مبدأ ، وأن هذا الأول - وهو محدث العالم - هو الذي علم اللغة وأعطى الأشياء مسمياتها ؛ فإذا قد صح ذلك حق لنا ان نتساءل : هل مبتدئ العالم واحد أو أكثر من واحد ، وإذا فتشنا وجدنا أن الواحد غير موجود في تركيب العالم ، لأنه قابل دائماً للانقسام ، وإذن لا بد من واحد خارج عن تركيب العالم . بعد ثبوت حدوث العالم ووجود أول محدث له ينتقل المرء ليتفحص الشرائع بنظر عقلي أيضاً ( مستفاد من دراسة علوم الأوائل ) فيجد الشرائع من مسيحية ويهودية
--> ( 1 ) هذه هي طريقته الذاتية ( في الربط ) ولكنه لا يفرضها على الآخرين . كما يتبين من الرسالة التالية حين سئل هل فرض الله النظر ؛ أي الاستدلال العقلي فنفى أن يكون النظر مفروضاً ( الفقرة : 9 من الرسالة التالية ) .